اقتصاد البيانات نفط المستقبل … بقلم الباحث في المجال الرقمي زكي كوريبعة 

اقتصاد البيانات نفط المستقبل … بقلم الباحث في المجال الرقمي زكي كوريبعة 

تحدث الباحث في المجال الرقمي، الدكتور زكي كوريبعة، لدزاير توب عن اقتصاد البيانات، واصفاً إياه بـ “نفط المستقبل”.

وفي التالي الحوار كاملاً:

في ظل التحولات التي تشهدها معظم دول العالم بالانتقال من المفاهيـم التقليديـة إلى تلـك القائمـة على البيانـات، تجـد المؤسسـات والحكومـات نفسـها اليـوم وسـط حقبـة جديـدة تظهـر فيهـا البيانـات على أنها ليسـت مجـرد معطيات ثانـوية للتفاعلات الرقميـة، ولكـن محركا ومـوردا مهـما للنمـو الاقتصادي والابتكار والتحول الى مجتمع رقمي.

ففي عصر البيانات الضخمـة والـذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية الفائقـة، لـم يعـد بمقـدور أحـد تجاهـل قيمـة البيانـات ومـدى (التـأثري) الـذي يمكـن أن تحدثه في تشـكيل معالم الاقتصاد الرقمي اليـوم.

وكذلك في دعـــم التخطيط واتخــــاذ القــــرارات إذ ان البيانـات بطبيعتهـا ضرورية للتخطيـط الفعـال واتخـاذ قرار في المؤسسـات. فباسـتخدام البيانـات، يمكـن لصـانعي القـرار اكتسـاب رؤى فعليـة وتنبؤيـة حـول المشكلات المعقـدة، وتحديـد الأنماط وتكويـن نظـرة دقيقـة حول الاتجاهات الاستراتيجية.

و تشير الدراسة التي اجراها مكتب مكنزي مع جامعة هارفارد هارفارد بزنس ريفيو 2019 و التي هدفت الى معرفة أكثر الدول إنتاجا للبيانات، انه من المتوقع أن تولد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تغذيها البيانات 13 تريليون دولار من النشاط الاقتصادي العالمي الجديد بحلول عام 2030، ما قد يحدد النظام العالمي التالي، تماما كما خلق إنتاج النفط عواملا من القوى الاقتصادية في القرن السابق.

ومن هذا المنطلق، فإن البيانات هي وقود الاقتصاد الجديد، والمورد الأكثر قيمة في العالم لم يعد النفط وحده، ولكن البيانات كذلك، حيث قالت مجلة الإيكونيميست: “سواء كنت ذاهبا للركض أو عند مشاهدة التلفزيون أو حتى مجرد الجلوس في حركة المرور، فإن كل نشاط تقريبا يخلق أثرا رقميا – أي المزيد من المواد الخام لمصانع تحليل البيانات

ومن هذا المنطلق، فإن البيانات هي وقود الاقتصاد الجديد، والمورد الأكثر قيمة في العالم لم يعد النفط وحده، ولكن البيانات كدلك، حيث قالت مجلة الإيكونيميست: “سواء كنت ذاهبا للركض أو عند مشاهدة التلفزيون أو حتى مجرد الجلوس في حركة المرور، فإن كل نشاط تقريبا يخلق أثرا رقميا – أي المزيد من المواد الخام لمصانع تحليل البيانات”.

((((((حيث ستكون الخوارزميات المدربة من قبل كل هذه الآثار الرقمية تحويلية على مستوى العالم. من الممكن أن ينبثق منه نظام عالمي جديد، إلى جانب “الناتج المحلي الإجمالي” الجديد – إجمالي ناتج البيانات – الذي يلتقط مقياسا ناشئا لثروة وقوة الأمم.

وفي ظل ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ المتزايد في أساليب التكنولوجيا الرقمية الذي يعرفه العالم خاصة في مجال علم البيانات و الذي أدى الى النمو السريع في إنشاء مراكز البيانات من أجل التخزين، و على حسب تقرير موقع www.statista.com حول الدول الرائدة من حيث عدد مراكز البيانات 2024، فانه هناك 5381 مركز بيانات في الولايات المتحدة، وهو أكبر عددا من أي دولة في جميع أنحاء العالم، متبوعا 521 مركز في ألمانيا، بينما يوجد 514 في المملكة المتحدة ثم الصين ب 449 مركزا تحتوي على كميات كبيرة من البيانات الهامة والمهمة، وبالتالي فهي حيوية للوظائف اليومية.

وعلى مستوى آخر، يتبنى مؤتمـر الأمم المتحدة للتجـارة والتنمية (and Development on Trade Nations Conference – UNCTAD -United) نهجـًا أكثر شمولا، ويصـف اقتصـاد البيانـات بأنـه “جميـع الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على تحويل البيانات الرقمية إلى سلعة” ويؤكـد الاونكتـاد (UNCTAD) على أنـه في اقتصـاد البيانـات العالمي، تتدفـق البيانـات عبر الحـدود، ممـا يؤثـر على التجـارة والخدمـات والعلاقـات الدوليـة. وبحسـب هـذا التعريـف، يكـون الاقتصاد الـرقمي هـو النشـاط الاقتصادي الـذي ينتـج عن مليارات من المعطيات والمعلومات عبر عمليات الاتصال اليومية بين الأشخاص والشركات والأجهزة باستخدام الانترنت.

ومن حيث التوجه في إنتاج البيــانات الرقمــية، تشــير الدراسات إلى ارتفـاعٍ قياسي في حــجم البيانـات بنسبـة 300 % في عام 2025 وأن المسـاحات السـحابية (Cloud) لن تكون كافية وقتهـا لتخزيـن هـذا “المقـدار المذهـل”.

فوفقا للتقريـر الصـادر عـن مؤسسـة البيانـات الدوليـة (IDC)، فـإن حجـم البيانـات العالميـة سيصـل إلى 181 زيتابايـت بحلـول عـام2025، ارتفاعا مـن 64.2 زيتابايـت في عـام 2020 وبمعـدل نمـو سـنوي مركـب (CAGR)بنسبـة 23 % خلال فترة 2020-2025 ويعكـس هـذا النمـو التوسـع المسـتمر في نمـط الحيـاة الـرقمي على مسـتوى العالـم.

حيث أدت هذه التطورات للبيانات الى بروز مفهــوم “تســــييل البيانــات (Data Monetization) والـذي يقصـد بـه تحويـل البيانـات إلـى قيمة اقتصــــادية – من الطــرق الجديدة والمبتكــرة لتعزيــز دعـــــائم الاقتصاد الوطنــي والتنمـــية المســتدامة، ذات عوائـد اقتصادية عن طريق بيـع البيانـات أو منتجاتهـا التحليليـة لمسـتفيد أو لوسيط بمقابـل مـادي. ويعـد هـذا القطـاع مـن أبـرز التوجهـات الاقتصادية في العالـم الـرقمي اليـوم.

و يتوقـع تقــريـر صـادر عـن شركـة بوالريـس للأبحاث السـوقية (Research Market Polaris) أن ينمـو سـوق تسييـل البيانـات العالمي مـن 2.63 مليـار دولار في عـام 2021 إلى 12.2 مليـار دولار بحلـول عـام 2030 بمعـــدل نمـو سنـــوي مركـب قـدره 46.% مما يعكس الاعتماد على الأنظمة السـحابية لتخزيـن البيانـات مستقبلا، وهـو مـا سيسـمح بمجالات وآفـاق واسـعة للوصـول إلى كميـات هائلـة مـن البيانـات ومعالجتهـا بـشكل مركـزي.

وختاما وفي هذا الإطار، عملت الجزائر خلال السنوات الأربعة الأخيرة على تطوير البنية التحتية للشبكات من اجل تأمين التدفق المتزايد للبيانات، حيث أحصت سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية فيما يخص الرفع من مستوى سعة تدفق النطاق الدولي الذي انتقل من 1,5 تيرابايت/الثانية سنة 2020 الى9,8 تيرابايت/الثانية سنة 2023 (((( في ظل ارتفاع الطلب المتزايد على الأنترنت مما يدل على العلاقة الطردية إلى ارتفـــاع قياسي في حــجم البيانـات. وبذروة الاستهلاك للنطاق الترددي خلال الثلاثي الرابع 2023 ب 3360 جيغابيت/الثانية مقابل 3220 جيغابايت/الثانية في نفس الفترة من عام 2022 .

إذ في اخر تقرير لسلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية (مرصد سوق الأنترنت في الجزائر – الثلاثي الرابع 2023) قدرت الحركة العامة للبيانات المستهلكة للثابت في 31 ديسمبر 2023 بنحو 2344 (مليون Go ) مقابل 1809 (مليون Go ) في نفس الفترة من عام 2022 أي بزيادة 29,57 %. و كذلك بالنسبة الحركة العامة للبيانات المستهلكة للنقال 827,82 جيغابايت مقابل 1102,26 جيغابايت في نفس الفترة من عام 2022 أي بزيادة %33,15.

وبمتوسط اجمالي (الثابت و النقال) لحركة البيانات الشهرية المستهلكة لكل مشترك 7,64 (Go) مقابل 6,17 (Go ) في نفس الفترة من عام 2022 أي بزيادة 23,82 %.

وكذلك على مسـتوى آخــر، تم انشاء مراكز البيانات بتقنية الحوسبة السحابية (Cloud Computing) مع خدمة الباك اب (Backup) لكثير من القطاعات خاصة التي تشهد عصرنة أنظمتها المعلوماتية وتطوير المنصات الرقمية على غرار القطاعات الحيوية التي لها علاقة بالحياة اليومية للمواطن كقطاع الداخلية، القطاع المالي، الصحة، التربية و التعليم، الضمان الاجتماعي، والبوابة الوطنية للخدمات العمومية للوزارة الأولى. ((( وكذا توقيع مؤخرا صفقة إنجاز المركز الوطني وطني لقاعدة البيانات والسحابة الوطنية بمعايير دولية من قبل المحافظة السامية للرقمنة ))) بهدف تطــــوير القطاع العــام وتقــــديم الخــــــدمات بسلاسة والمسـاعدة فـي اتخـاذ القرارات الذكــية بنـــــــاءًا علــى تحليلات البيانــات. وهذا لارتفـاع نسبـة تخزيـن البيانـات على الأنظمة السـحابية بسبـب الحــــاجة المتزايـدة للمـــــــرونة والتكلــــفة المنخفضـة لمسـاحات التخزيـن، وسـهولة الوصـول إليهـا عـن بعـد، بالإضافة إلى مسـتويات الأمان الُمحسـنة، ودعـم متطلبـات التحـول الـرقمي. غير ان هذه اللبنة تبقى مقيدة بالالتزام لأحد العوامل المهمة الذي هو تصنيف مستوى البنية التحتية لمراكز البيانات على غرار تصنيف تير مستوى الثالث او الرابع (Tier IV & Tier III) من حيث التكرار والأداء (Performance & Redundancy) وكذلك النظر في مستوى الأمان ومقدار التعطل المحتمل على مدار عام لتصنيف أداء مركز البيانات. حيث تضمن الشهادة الصادرة عن Uptime Institute for Data Center Tiers الجودة والأداء المُحسَّن وتضيف إلى مصداقية المنشأة. اذ تتناسب مراكز البيانات للمنظمات الحكومية والمؤسسات الكبيرة ذات الخوادم والمهام الحساسة ومتطلبات العملاء أو الأعمال المكثفة مستخدمين نموذجيين لمنشأة من المستوى 3 أو 4 اللذان يخضعان لمعايير صارمة. على غرار تحصل مركز البيانات الرئيسي لمجمع سوناطراك على شهادة تصنيف أبتايم تير3 “Uptime Tier 3 Design” العالمية سنة 2022، وكذلك المركز الذي هو قيد الإنجاز من قبل مؤسسة اتصالات الجزائر وصفقة إنجاز المركز الوطني لقاعدة البيانات والسحابة الوطنية بمعايير دولية تير مستوى الثالث (Tier III) من طرف المحافظة السامية للرقمنة.