يصرّ اليمين المتطرف الفرنسي على سلوك نهج دبلوماسي غريب، إنّه لا يبالي بعلاقته مع الدول الإفريقية المستعمرة سابقاً ليقوم بإفسادها، ويفضّل عليها تنفيذ رغبات نظام المخزن في حصوله على سيادة متوهمة على الصحراء الغربية مقابل مصالح ضيّقة مكاسبها غير متضحة بخلاف خسائرها المحتملة جدّاً، ومن المؤكّد أنّها ستعصف بمكانة ونفوذ فرنسا في القارة الإفريقية.
ولندرك جيّدا هذا السلوك الغريب علينا أن نمسك برأس الخيط حتى نرى جيّداً هذه الممارسة الدبلوماسية غير السوية من الجانب الفرنسي، كيف لدولة في مثل تاريخ وحجم فرنسا أن تضع عميل المخزن بوعلام صنصال في كفّة ومصالحها الاستراتيجية مع الجزائر في الكفّة الأخرى، ألا يبدو هذا مستغربا جداً؟
اليمين المتطرف الفرنسي بدأ في تحطيم مكتسبات الزيارة التي أجراها الرئيس ماكرون في 25 أغسطس 2022 إلى الجزائر مبكراً، ولعلّ حادثة تهريب الاستخبارات الفرنسية في فبراير 2023 للمواطنة الجزائرية التي تحمل الجنسية الفرنسية، أميرة بوراوي، الممنوعة من السفر، والتي كانت في شكل “عملية إجلاء سريّة”، وما صاحبها من كسر للثقة بين البلدين، كانت بمثابة البداية لتسميم العلاقات الجزائرية الفرنسية.
إعلان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، دعمه لأسطورة “مغربية الصحراء” غير محسوب العواقب، في 30 يوليو 2024، جرّ العلاقات البينية إلى مستنقع الركود ومن ثم دخلت مرحلة جليدية، بعد سحب الجزائر لسفيرها لدى باريس وإلغاء الرئيس تبون زيارته إلى فرنسا التي كانت مقرر إجراؤها في أكتوبر 2024.
ويبدو أنّ ماكرون كان يتوقع هذه الخطوة الجزائرية لذلك كان قد حسب حسابه جيّدا وملء فراغ الزيارة الملغاة بزيارته إلى المغرب في 24 أكتوبر 2024، حيث جدّد من الرباط دعمه لخطة الحكم الذاتي المغربية أمام نواب البرلمان، وصرّح بأن “حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان ضمن السيادة المغربية”.
وفي ديسمبر الماضي تمكنت المصالح الأمنية الجزائرية من تفكيك خيوط مؤامرة نسجتها المخابرات الفرنسية بهدف زعزعة الاستقرار في البلاد، وألقت القبض على إرهابيين سابقين كانوا قد تلقوا تعليمات من قبل مصالح الاستعلامات الفرنسية لتنفيذ هذا المخطط الخطير، لتقوم وزراة الخارجية الجزائرية باستدعاء السفير الفرنسي على إثر ذلك وتوجيه توبيخ لحكومة بلاده.
وفي سياق استطالة أمد الفترة الجليدية بين الضفتين، قامت الجزائر بتقليص حجم علاقاتها الاقتصادية والتجارية والثقافية مع باريس، فقد تراجعت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر لسنة 2024 إلى 600 مليار دولار، من 3.2 مليار دولار حققتها في السنة التي سبقتها، كما شرعت المدارس والجامعة الجزائرية في تقليص اعتمادها على التدريس باللغة الفرنسية في مختلف المراحل والبرامج التعليمية، وعمدت الإدارات والمؤسسات التعليمية إلى التحول في مراسلاتها وكتابة وثائقها الرسمية من الفرنسية إلى العربية.
ومن الملاحظ في ظل تصاعد التوتر بين الجزائر وباريس أن يتسع الشرخ بين الضفتين، فالجزائر التي اعتمدت سياسة المعاملة بالمثل وأصرت على أن لا تتغاضى عن أي خطوة تصعيدية واستفزازية من جانب باريس، تؤكّد في كلّ مرّة على أنها لن تسمح لليمين المتطرف بإخضاع الجزائر لنزواته السياسوية.
فرنسا من جهتها، وفي سلوك غريب غير مسوغ ولا متوقع، يبدو أنّها اختارت المرور إلى السرعة القصوى في تدميرها لعلاقاتها مع الجزائر، التي أكدت خارجيتها رفضها القاطع لما وصفته بخطاب “المهل والإنذارات والتهديدات” التي جاء في تصريحات رئيس الحكومة الفرنسي.
وفي هذا السياق، أثارت الاستفزازات الفرنسية الجديدة على خلفية التدابير على التنقل والدخول إلى الأراضي الفرنسية التي أقرتها الحكومة، استغراب ودهشة الجزائر، التي توعدتها بقرار مماثل بخصوص الاتفاقيات والبروتوكولات الأخرى ذات الطبيعة، في حال قيامها بأي مساس باتفاقية الهجرة لسنة 1968 التي تمّ أصلا إفراغها من مضمونها وجوهرها.
وما يؤكّد الجانب السياسي المفتعل في هذه التدابير الغريبة هو تصريح وزير الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو في 25 فبراير الماضي، مبررا سلوك وزارته الغريب بكونهجاء “كنتيجة لاعتقال الكاتب الفرنكو جزائري بوعلام صنصال ورفض السلطات الجزائرية استقبال بعض المواطنين الجزائريين الذين تم طردهم من فرنسا، ليضيف لتصريحاته كلاما مليئا بالاستفزاز بقوله: “هذه الإجراءات قابلة للتراجع ويمكن إنهاؤها بمجرد رضوخ الجزائر لمطالب السلطات الفرنسية”.
هذه التصريحات الاستفزازية لم تكن معزولة، بل إنها تعبّر عن تناغم في السياسة الخارجية الفرنسية المنحرفة تجاه الجزائر، فقد سبقتها قرارات الحكومة الفرنسية التي أعلنها رئيس الوزراء فرانسوا بايرو خلال اجتماع وزاري طارئ في 26 فبراير الماضي، بأن بلاده “ستطلب من الحكومة الجزائرية مراجعة جميع الاتفاقيات الموقعة بين البلدين عام 1968 والنظر في طريقة تنفيذها”، مضيفا بأنه سيعطي الحكومة الجزائرية “شهرا إلى ستة أسابيع” كمهلة للقيام بذلك، أن هذه الاتفاقيات “لم يتم احترامها”، مؤكدا أن الحكومة الفرنسية “لا يمكنها أن تقبل استمرار هذا الوضع”، أن بلاده “ستُقدم للحكومة الجزائرية قائمة عاجلة للأشخاص الذين يجب عليهم العودة إلى بلادهم”.
إنّ هذه العقلية الاستعلائية الاستفزازية هي ما أدى بدول إفريقية عدّة لأن تعيد تقييم علاقاتها مع باريس، وبعد مالي والنيجر وبوركينافاسو التي انسحبت منها القوات الفرنسية قررت تشاد مؤخرا، وضع حدّ لتدخل فرنسا في شؤونها الداخلية، وبذلك تكون باريس قد فقدت وإلى غير رجعة نفوذها وهيمنتها بمنطقتي الساحل وغرب إفريقيا.