مثلث الحياة/ بقلم هاجر ميموني

مثلث الحياة/ بقلم هاجر ميموني

المثلّث هو رسم هندسيّ له ثلاثة أضلاع تصنع لنفسها عند الالتقاء ثلاث زوايا، فتحجز هذه الأضلاع فضاء مساحة بداخلها، وأوّل ما يتوارد للذّهن عند المثقفين خاصّة منهم الدّارسين للجغرافيا وكذا المكتسبين لثقافة عامة عند سماعهم كلمة مثلّث أو تواردها إلى تفكيرهم ، هـــــــــو: « مثلث برمودا» ويمسى أيضا بـ: «مثلث الشيطان» ويقع هذا المثلث في الجزء الغربي من المحيط الأطلسي بين برمودا وبروتيريكو وفورت لودريل فروريدا الولايات المتحدة الأمريكية، هذا المثلث أنشأ لنفسه هالة من أساطير الخوف والرّعب، تذكر عند التّناول بكثير من التّحويرات تدفعك للفضول وليس للتّشويق، لكن رغم هالة الرّعب التّي أحاط نفسه بها إلاّ أنه مسالم ولا يأتي إلينا ولا يبادرنا بأضراره إن لم نخاطر فيه بركوب مياهه أو عبور أجوائه والعربدة فيهما، لكن مثلّثنا الذّي نحن بصدد التّحدث عنه لا يتعلّق بمثل برمودا المرعب، وإنّما يتعلّق بمثلّث أخطر وأرعب منه ولا بدّ منه لتحيى الإنسانية وتعيش، وهو جالس القرفصاء في هدوء من أمره وباق في جلسته يتربص الظّروف المواتية ليظهر للإنسانية، ولا تعرف متى و أين يظهر.

لا تخلو النّقاشات في الموائد المستديرة والبلاطوهات، وكذا التّناول كتابة وتحليلا وبحثا عند الحديث عن الغذاء، إيراد مصطلح » الأمن الغذائي «فهذا المصطلح المتكوّن من كلمتين، عند تناوله يستدعي النّقاشات الطّويلة عمّا يحيط به، وقد قام هذا المصطلح بداية من سنة 1974 إذ تمّ اعتماد الإعلان العالمي لمكافحة الفقر في 16 نوفمبر 1974 من طرف الحكومات الممثّلة لمؤتمر الغذاء العالمي سنة 1974 المنعقد بناء على قرار الجمعية العامّة للأمم المتّحد رقم: 3180/ 28 صادر بتاريخ 17/12/1973، وجمع هذا الإعلان بين المناقشات حول حقّ الانسان في الغذاء والتّغذية الكافيين مع تناول كلّ القضايا الاقتصادية والسيّاسية التّي تؤثّر علي إنتاج وتوزيع المنتجات الغذائية. ووضع هدف مشترك لجميع الدّول للعمل معاً للقضاء على الجوع وسوء التّغذية.

وعند ذكر الأمن الغذائي؛ فأوّل ما نفكّر فيه هو منتوج الحبوب من القمح على مختلف أنواعه، وهذا أمر طبيعيّ جدّا، لأنّ هذا النّوع من المنتوج إذا ما توفّر يطرد شبح المجاعة ويوفّر قدرا كبيرا من الطمأنينة في المجتمع، لما له من خصائص غذائية غنيّة ولما له من خصائص مقاومة للتلف وأيضا على اعتباره منتوجا صلبا يحافظ على أمد الصّمود في المحافظة على جميع خصائصه، ويصبح توفير منتوج القمح على مختلف أنواعه أكثر من ضروري، ذلك أنّ الانسان يستطيع أن يستغني على العديد من المنتجات الغذائية في حالات الأزمات، ويكتفي برغيف الخبز أو المشتقّات المنتجة من دقيق القمح على مختلف أنواعه، ولنا في القصص القرآني ما يبين من أهمية للقمح على مختلف أنواعه، جاء ذلك في سورة يوسف عليه السلام، والذي فسّر لمبعوث الملك الناجي من السّجن رؤية الملك لسبع بقرات سمان يأكلن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.

والأمن الغذائي يصنّف من أهمّ مقوّمات الحياة في الكون، للحد الذّي يرى بعضهم بأنّه أخطر الأسلحة، وهذا أمر صحيح جدا، ذلك أنه ومنذ الخلقة الأولى للإنسان، فأول سلوك عبّر عنه هو: الأكل، ذلك أن آدم عليه السّلام عندما نفخت فيه الرّوح ووصلت إلى بطنه، اشتهى ثمار الجنّة فاستعجل خلقه، ويفيد هذا بأنّ غريزة الشّعور بالجوع واشتهاء الأكل كانت أول غريزة قامت فيه وليست غرائزه الأخرى المثيرة للشّهوة، فضمان الأمن الغذائي هاجس يؤرق الدّول والحكومات، وهو غير مرتبط عضويا بمفهوم الاكتفاء الذّاتي من المنتوج الغذائي، بل يتعدّاه إلى أبعد حد كونه مرتبط بتوفّره في الأسواق الغير محلية مع القدرة على شرائه والقدرة على توصيله في أحسن الأحوال للمستهلك، وقدرات تخزينه.

وإن كان الميل في النّقاش عند التّطرق إلى الأمن الغذائي التّناول قياسا لمدى توفّر حبوب القمح على متخلف أنواعه محليّا ودوليا، فإن النّقاش على هذا النّحو حتما يفتح النّقاش والتّناول للأسباب التّي تحيط بالعمليّة برمّتها للوصول إلى توفّر هذه المادّة، فالقمح على مختلف أنواعه لا ينبت من تلقاء نفسه، بل يأتي نتيجة سلسة عمل ونشاط تبدأ بـ:

ـ اختيار البذور الملائمة للمناخ والجغرافيا التّي يزرع فيهما.

ـ توفّر التّربة الخصبة الملائمة لكل نوع من أنواع القمح لزرعه فيها.

ـ توفّر وسائل الانتاج العصرية، آلات الحرث وأدواتها وآلات الحصد.

ـ توفر مياه السّقي وآلات السّقي.

ـ توفر الأسمدة والمبيدات.

ـ توفر الطّاقة على أنواعها، التّي تشتغل بها آلات الانتتاج.

ويكون بذلك الأمن الغذائي مرتبطا عضويا بمجموعة من العوامل التّي تسهم إيجابا في الانتاج إن توفّرت، ففي الحالات العادية، تعد الزّراعة الوسيلة الوحيدة المعول عليها في الانتاج الزّراعي من مختلف المنتجات الغذائية وعلى رأسها القمح، وإن كان النّقاش الذّي قام وما زال قائما حول الأمن الغذائي يكاد ينصبّ على الحبوب من مختلف أنواع القمح وكما أسلفنا فهذه المنتجات الغذائية الهامّة والاستراتيجية لا تنبت من تلقاء نفسها وإنّما تأتي نتيجة سلسلة مترابطة بعضها ببعض فإن اختلّت واحدة منها يتأثّر المنتوج أو ينعدم، ويصبح أكثر من ضروري التّطرق عند تناول الأمن الغذائي للأشياء الأخرى التّي تنتج عواملا لا تقوم حياة الانسان إذ لم تتوفّر ومنها:

الأمن المائي:

فأمام التّغيرات المناخية التّي أطلّت إطلالاتها الأولى في السّنوات الأخيرة على المعمورة وشملت إطلالاتها مناطقا لم يزرها الجفاف، وهو ما يكون له الأثر عند التّفكير في الأمن الغذائي الحساب في ذلك شح مياه الأمطار و ضرورايا التّفكير في جمع أيّةأمطار

قطرة ماء تسقط مع موسميّة في أحواض أو سدود، فالأمن المائي في حياة الانسان له أهمية كبيرة، ويكفي بأنّ الله ذكره في أكثر من مرّة في محكم تنزيله،» وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ « فالماء هو من ينبت الحبوب الزراعية أو الأغراس الفلاحية التي تؤمن غذاء الإنسان، سواء توفرت كمياه أمطار موسمية، أو تم جمعها في أحواض وسدود، فلا زراعة بدون ماء تسقى به.

الأمن الطاقوي:

ـ الأمن الطّاقوي أهميته تتعدّى الاستعمال في برامج تأمين الأمن الغذائي، لتشمل جميع مناحي حياة البشر، والطاقة على مختلف صنوفها هي المصدر الأساسي في الزّراعة لتحريك آلة التّنقيب عن الماء وآلات إقامة وبناء السّدود، وآلات السّقي، والآلات التي تستغل في الزراعة، فبدون طاقة يعود الانسان بنفسه للسنوات البدائية في طرق الزراعة، ومن ثمّ يصير الأمن الغذائي مرتبط بالزراعة ــ الماء ــ الطاقة، فهذا المثلّث هو من يضمن أمنا غذائيا. وإذا ما توفّر هذا المثلّث يكون المنتوج الفلاحي من مختلف أنواع حبوب القمح متوفّرا، كما تسهم عوامل أخرى ذات أهميّة في توفير الأمن الغذائي إيصاله إلى المستهلك في أحسن الظّروف والآجال، وأهمها:

ـ القدرة على التّخزين؛ فقدرات التّخزين لها دور أساسيّ في تحقيق الأمن الغذائي للشعوب.

ـ القدرة على الشّراء؛ فالدّول التّي ليس في مقدورها تحقيق اكتفاء ذاتي من مادّة القمح، وأمام الاحتباس الحراري وشحّ مياه الأمطار، وغلاء المواد الطّاقوية، قد يرفع من أسعار منتوج حبوب القمح في الأسواق العالمية، ولزم على هذه الدّول أن تكون قادرة على الشّراء.

ـ الاستقرار الاقليمي والدّولي والقدرة على توفير وسائل النّقل وتأمينها؛ له دور مهمّ في توفير الأمن الغذائي على اعتبار الدّول تجمعها اتفاقيات وصفقات، فأيّ توتّر إقليمي أو دولي يلعب دورا سلبيّا في إيصال المنتوج للمستهلك، كذلك ما لوسائل النّقل من الأهمية بمكان لتوصيل منتوج الحبوب إلى طالبيها في أحسن الظروف والآجال. ومن ثمّة يصير الأمن الغذائي مرتبطا بالزراعة ــ الماء ــ الطاقة، وعوامل أخرى منها الطبيعية والغير طبيعية .

بقلم هاجر ميموني