“ماذا قال لخضر بن طوبال في الجزء الثاني من مذكراته؟”.. قراءة للأستاذ ناصر جابي في شهادة المجاهد بن طوبال

“ماذا قال لخضر بن طوبال في الجزء الثاني من مذكراته؟”.. قراءة للأستاذ ناصر جابي في شهادة المجاهد بن طوبال

في مقال له نشر على جريدة “القدس العربي” اللندنية تحت عنوان “ماذا قال لخضر بن طوبال في الجزء الثاني من مذكراته؟”، يتعرض الأستاذ والباحث الأكاديمي ناصر جابي لشهادة المجاهد الكبير لخضر بن طوبال حول مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، كانت مشبعة بالأحداث المتسمة بالكثير من التشنجات التي واكبت نهاية الثورة التحريرية وبداية الاستقلال، وما صاحبها من رؤى متصادمة حول رسم معالم الدولة الجزائرية، ومن يكون له الحق في هندسة نظامها السياسي الجديد وتقلد أمور البلاد.

ويتناول الأستاذ ناصر جابي في قراءته لمذكرات المجاهد لخضر بن طوبال مسألة “تنفيذ حكم الإعدام” من قبل هيئة التنفيذ والتنسيق كقيادة وطنية للثورة ضد المجاهد عبان رمضان، والتي كان ضدها على الرغم من أنه كان مع محاكمته ” بتهم خطيرة، تمس وحدة وقيادة الثورة”، وهو الحكم الذي أيده بقوة –حسب بن طوبال- أعضاء المجموعة العسكرية التي كان من بينها كريم وبوسوف ومحمود الشريف، والذين لم يغفروا له ” التطاول عليها وعلى سلطتها ومسه بوحدة جيش التحرير وقيادته”، إلى جانب أسباب موقف “تنفيذ حكم الإعدام” المتخذ في حق عبان ومن بينها “التواصل مع قيادات الجيش من المنشقين على الحدود، وحتى داخل الولايات، كما حصل مع قيادة الولاية الأولى والتشكيك في الحكومة المؤقتة ومؤسسات الثورة الأخرى، التي أُبعد عنها”، وهو ما اعتبره بن طوبال ” خطا أحمر قام عبان بتجاوزه عدة مرات، رغم الملاحظات التي وجهت له أكثر من مرة”.

كما تناولت مذكرات المجاهد لخضر بن طوبال “بعض حالات التمرد والاضطراب التي عاشها جيش التحرير على الحدود، كما حصل في قضية محمد لعموري والزبير ومحمود عرباوي، والتي يرى الكاتب أنها شهدت “تدخل للسلطات المغربية والتونسية والمصرية التي كانت وراء تمرد لعموري”، وفي هذا السياق يرى جابي أن “الأهم من هذه المعلومات حول هذه الفترة من تاريخ الثورة وهي تعيش حالة انحسار عسكري بتداعياته على المستوى السياسي وصل إلى قيادة الثورة ومؤسساتها المركزية، بعد عودة ديغول للحكم، المعطيات التي توفرها هذه المذكرات حول الشخصيات العسكرية والسياسية التي قادت الثورة، وميزان القوى بينها وحتى علاقاتها الشخصية في ما بينها وتطورها مع الوقت، بعد الاحتكاك والتعارف في ما بينها، هي التي أتت في الغالب من حالة عمل سياسي وعسكري سري لم يسمح لها بالتعارف المباشر، لينجز لنا بن طوبال نوعا من السوسيولوجية السياسية لقيادة ثورة التحرير، بعد الجزء الأول من المذكرات الذي ركز فيه على سوسيولوجية وأنثروبولوجية المجتمع الجزائري.”

ويرى صاحب المقال أن “الأسس التي بني عليها النظام السياسي الجزائري، تم وضعها خلال هذه الفترة ومن قبل هؤلاء المناضلين السياسيين – بوسوف.. بن طوبال.. كريم ـ والتي مثلت حسبه ” أرضية فكرية – سياسية لما سيحصل في الجزائر بعد الاستقلال”، وهو ما جسده تقلدهم لمواقع قيادية على رأس الولايات ومؤسسات الثورة، كمجلس الثورة وهيئة التنفيذ والتنسيق وبعض الوزارات المهمة داخل الحكومة المؤقتة، على غرار وزارة الاستعلامات والداخلية وقياد الجيش.

ويتابع الأستاذ ناصر جابي في تناوله لخلفية هذه القيادات الثورية، والتي ورغم كونها قليلة العدد إلا أنها “احتلت مواقع التأثير والقوة، رغم مستواها التعليمي البسيط وأصولها الاجتماعية المتواضعة في الغالب الأعم”، ما سمح لها بتعيين رؤساء الحكومات والوزراء والمسؤولين الكبار وإبعادهم، ويضرب أمثلة على ذلك ما حصل مع عباس فرحات أول رئيس للحكومة المؤقتة، الذي “استمر بن طوبال في اتخاذ موقف سلبي منه وصل في المرحلة الأخيرة من الثورة إلى التشكيك بشكل صريح في وطنيته وولائه للثورة، أو بن خدة الذي يقول عنه بن طوبال إنه كان ممثلا لتيار يميني، عبّر عن نفسه (أثناء تحرير وثيقة طرابلس) باتخاذ مواقف ديماغوجية لا يؤمن بها في العمق.”، مواصلا سرد شهادة بن طوبال الذي أكد في مذكراته أن “الذين كانوا يؤمنون فعلا بتوجهاتها السياسية (وثيقة طرابلس) لا يتجاوز ما نسبته 10% أو 20% على أحسن تقدير من أعضاء مجلس الثورة، لنكون بذلك أمام أحد تقاليد العمل السياسي الذي سيتطور بعد الاستقلال. عدم الاهتمام بالنص المكتوب وبمن يكتبه من متعلمين- كتبة والتوافق الشكلي حوله، من دون حتى قراءته ومناقشته، ليحصل الاختلاف الكبير في المقابل حول تعيين الأشخاص ومن يسيطر على مواقع القيادة على رأس المؤسسات، لأسباب سياسية وجهوية خاصة.”

وفي هذا السياق يختم الأستاذ جابي مقاله بحديثه عن ما حصل في مؤتمر طرابلس، الذي يرى بن طوبال أنه “تجسيد حي للثورة المضادة التي جعلت الجزائر تحصل على الاستقلال، لكنها تفشل في ضمان استمرار الثورة.”، تلك الثورة المضادة التي قادها –حسب بن طوبال- من وصفهم بـ “مجاهدي الربع ساعة الأخير” الذين تحالف معهم بدافع من محاولتهم   للسيطرة على مقاليد الأمور “ممثلو الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، التي كان من «حقها» أن تشارك في مؤسسات الثورة.” دون أن تحصل على القيادة الفعلية داخلها، جراء تغول “مجاهدي الربع ساعة الأخير” في بداية الاستقلال لدرجة سيطرتهم على قوات الأمن المكلفة بضمان الاستفتاء، وجيش الولايات الذي تحولت داخله عناصر جيش التحرير إلى أقلية فعلية”، وهي كلها أخطاء استراتيجية حصلت في السنوات الأخيرة للثورة وبداية الاستقلال، جعلت بن طوبال مثل غيره من الوجوه الرئيسية التي سيرت الثورة، تبتعد عن المشهد السياسي الرسمي، مباشرة بعد الاستقلال.

أحمد عاشور