في تقويم الحضارة/ بقلم هاجر ميموني

في تقويم الحضارة/ بقلم هاجر ميموني

في وقتنا الحالي؛ كثيرا ما يرى الإنسان الواقف على الأرض أو الجالس عليها أو راكبا باخرة تمخر مياه البحر زحفا إلى الأمام، أو محلقا بطائرة معلّقة بين السّماء والأرض، وتطوي المسافات خلفها بسحب الهواء من أمامها دفعا إلى الخلف، بأنّ كلّ ذلك شيء عادي جدّا.

لكن الشّيء الغير عادي حين يرى الإنسان ذلك عاديا، فالأرض وما تحتها وما فوقها التّي يحيى عليها لم يكن له دور في تكوين نشأتها، والسّماء والفضاء الذّي تسبح فيه الطّائرة التّي صنعها لم يكن هو من أنشأه والبحر الذّي تمخر السّفينة التّي صنعها عباب أمواجه لم يكن هو من أوجده، فما هو موجود بين السّماء والأرض يعد ما أصطلح على تسميته بـ: “الكون”.

والإنسان السّوي مكتمل العقل، إذا ما وقف مع نفسه في لحظات تأمّل في الكون، يكتشف بغير جهد أو مساعدة، عظمة هذا الكون، ويكتشف بأنّ ما صنعه أو أوجده بنفسه بمدٍّ غزير من المواد والأشياء مصدرها هذا الكون، يعد شيئا صغيرا جدّا مقارنة بعظمة الكون وما فيه. ولا داعي حينئذ لتفكير طويل أوعميق، للقناعة بأنّ كبر وعظمة الكون، تدلّان على عظمة وكبر خالقه. وإذا أمعن جيّدا في نظم وقوانين الفطرة التّي تسيّر الكون يجدها متهانية الدّقة، فلا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل يسبق النهار.

ويعد من السّذاجة والعبث، أو قل من البلادة، حين لا يقتنع الإنسان، بأنّه لم يُخلق عبثا، وإنّما خلق ليكون خليفة في الأرض، ومن الحكمة من خلقه؛ فقد فُضّل على جميع ما هو مخلوق تفضيلا لا حدود له، وآية التّفضيل، ليست في الخلقة الجسدية أو لون البشرة أو لون الشّعر والعينين، وإنّما آية التّفضيل كانت في جوهرة العقل، وهي من الجواهر التّي لم تمنح لأيّ مخلوق آخر، وتجمع الدّراسات التّي قامت على العقل البشري وإن كانت لم تصل إلى الحقيقة المطلقة حول خباياه، بأنّ العقل موجود في عضلة المخّ، وهي عضلة هلامية صّغيرة محفوظة بعناية في جمجمة رأس الإنسان، وتتكوّن من حوالي 100 مليار خليّة، والمخّ هو العضو الذّي تصل إليه جميع الأحاسيس المادية كاللّمس، الشّم، التّذوق، البصر… وتتكوّن فيه جميع الأحاسيس المعنوية، وفيه تجتمع جميع مراكز التّحكم في جسم الإنسان ومنها حركات أعضاء جسمه، وفيه يقع عقله المحرّك لتفكيره والموجّه لميولاته والمشّكل لقناعاته، وفيه تمحّص موجبات اتّخاذ القرارات، ولا يوجد في الكون أو ما صنعه الإنسان شيء يمكن مقارنته به أو مظاهاته أو أن يعوّضه أو يحلّ محلّه، وعندما يتضرّر المخّ تتضرّر المراكز الأخرى ويتضرّر العقل.

كما يعد من الجحود المتعمّد، أو النّكران عن قصد، حين لا يقرّ الإنسان، بأنّه لم يكن من العبث حين قرّر خالقه أن يجعله خليفة في الأرض، من أن يُنشأ الكون قبل الإنسان، ومن الحكمة في هذا التّرتيب، والتّي تكمن في توفير وتسخير كلّ ما هو موجود في الكون على سعته ورحابه وغناه وتعقيداته للإنسان. فالكون الرّحب واسع الأطراف عالي الأفق، المسخّر للإنسان ما كان لأن يكون لأيّ كان غير الإنسان من أن يطاوعه ويتعايش مع خباياه ويعمّره، وما كان للإنسان أن يعمّر الكون بغير ملكات العقل.

 القيم الأخلاقية نشأت مع الإنسان:   

إن سُلّم السّلوكيات المنتجة للقيم الأخلاقية عند الإنسان، نشأت مع نشأته، وهي قامت فيه بعد نفخ الرّوح فيه، وهي السّلوكيات التّي تحفّز المخّ والعقل على العمل، لينتج عنها مجموعة من السّلوكيات الحركية لأعضاء جسمه ومجموعة من السّلوكيات لعمل مخّه وعقله، وينتج عن ذلك نمط التّفكير في الكيفية التّي يسيّر بها حياته. ونجد مثالا عليها؛ حين جعل الله عزّ وجلّ الجنّة لآدم وزوجته ليسكانا فيها ويأكلا من ثمارها ولا يشقيا، وأمرهما بأن لاّ يأكلا من ثمار شجرة بعينها.

وبعد انطلاء غواية إبليس عليهما، أكلا من ثمرها، فخالفا بذلك أمر ربّهما، فانكشفت لهما عورتهما المستورة عن أعينهما، فأقبلا يخصفان عليها من ورق الجنّة لستراها. فهذا التّصرف قاما به من تلقاء نفسيهما ولم يتعلّماه من أحد، أنشأته فيهما مجموعة من الأحاسيس قامت بفضل الأعصاب البصرية التّي حوّلت مشهد العورة إلى مخهما ثمّ انطلقت ميكنيزمات عمل عقلهما فقدّر عقلهما بأن عورتهما يجب أن تستر، ولا يوجد أيّ تصرّف آخر أبلغ منه خلقا في التّصرف في مثل هذه الحالة، ويعد هذا التّصرف الذي اهتديا إليه قيمة عالية من القيم الأخلاقية » قيمة ستر العورة «، وكما عندما قال لهما ربّهما: ألم أنهكما عن تلك الشّجرة وأقل لكما إنّ الشّيطان لكما عدوّ مبين؟، فلم يكونا فظّين معه كما فعل إبليس حينما سأله الله عن سبب رفضه السّجود لآدم، واعترف آدم وحواء بالمعصية وقالا: ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ذنوبنا وترحمنا وتتجاوز عنّا لنكونّن من الخاسرين. وهذا التّصرف قاما به من تلقاء أنفسهما لم يتعلّماه من قبل، ويعد من أرقى القيم الأخلاقية في الاعتراف بالذّنب وطلب الصفح.

الحضارة منشؤها عقل الإنسان:

إنّ العقل عند الإنسان، نشأ مع نشأته، وكانت الانطلاقة الأولى لعمل هذا العقل قد بدأت حين نفخ فيه خالقه الرّوح، ولمّا بلغت الرّوح إلى عينيه نظر إلى ثمار الجنّة، ولمّا وصلت إلى جوفه اشتهى الطّعام، فوثب إلى ثمار الجنّة قبل أن تبلغ الرّوح إلى رجليه، ولم يستطع النّهوض، فقال: ربّ استعجل بخلقي، قد غربت الشّمس. فعطسه واشتهاءه الطّعام ووثوبه إلى ثمار الجنّة، هي غرائز فطرة خلقت معه تحرّكت بفعل أحاسيس شعر بها وانتقلت إلى مخّه وعقله، وكانت الدّافع في استعجال خلقه حين قال لخالقه: ربّ استعجل بخلقي، وهذه الغرائز والأحاسيس التّي فطر عليها لم تكن كافية لمخّه وعقله من ناحية الإدراك والتّفكير لأن يكون فيما بعد خليفة في الأرض. وكان يلزمه التّحضير والإعداد لأن يكون خليفة في الأرض.

وكانت البدايات الأولى لآليات عمل ونشاط العقل البشري في التّفكير، بدأت حين علّمه خالقه الأسماء كلها، فكان لهذا التّعليم والإلقاء وهو في الجنّة أوّل تلقّي لأبجديات التّعلم، تلقّاه من لدن خالقه، علّمه فيه الأسماء كلّها وبمعانيها، بما يفيد الفهم والاستيعاب من هذا التّعلم والتّلقي، ففهمها آدم واستوعبها وعجزت الملائكة عن فهمها عندما عرضها الخالق عليها، فأمر الله آدم بأن ينبّئهم بأسمائهم، ففعل. فصار بذلك عقله يشتغل ويتلقّى التّعليم ويستوعبه، ثمّ ينبأ به غيره، فسمى بذلك على جميع المخلوقات بهذا العقل.

بيد أنه ولحكمة الله في خلقه، فإنّ فطرة الله التّي فطر عليها العقل البشري لم تجعل منه آلة تعمل في اتجاه واحد ومعيّن تحديدا، بل جعلته في حرّية تامّة من حيث التّفكير في اتّخاذ القرار، يظهر ذلك من خلال، أنّ التّعلم الأوّلي الذّي حصل لعقل آدم وهو في الجنّة لم يكن كافيا ليحصل الكمال في عمل عقله وكيفية تفكيره، فسرعان ما ظهر الخلل الكبير في كيفية إدارة مخّه وعقله لشؤونه، وكيفية التّفكير في اتّخاذ القرارات، حين ترك ما نهاه عنه خالقه، بألاّ يأكل وزوجه من ثمار شجرة من أشجار الجنّة، وجاءهما إبليس وهما في الجنّة دالا لهما وموسوسا عن “الخلد والملك الذّي لا يفنى”، فلعبت هذه الوسوسة دورا مثيرا في منحى تفكير عقلهما، فوقعت المعصية الكبرى، فكانت سببا في خروجه وزوجه من الجنّة، ليعيشا في الأرض، وفيها يتعلّمان بالتّجربة والممارسة من سنن الحياة، وبذلك تدرّج نمو عقل الإنسان من حيث المدارك والفهم والاستيعاب والتّرسيخ.

ومن ثمة؛ يعد العقل أهمّ شيء عند الإنسان، فبعقله يعي ويدرك وبه يتحرّك ويفكّر ويقرّر. ولمّا كان الفاعل الأساسي لأيّ تحرّك فاعل لأيّ عضو من أعضاء جسم الإنسان أو مانع لتحرّكه هو العقل، فيصبح الثّابت بأنّ الفاعل الأساسي المقيم للحضارة هو الإنسان بعقله، وليس الإنسان بغير عقل، ولمّا كان الفعل الحضاري يأتي من نتاج تفكير عقلي تصوّري مفيد تُنشؤه مثيرات الدوافع والرغبات، يحضّر لتحرّك عقلي معنوي كالإنتاج الفكري أو عضلي جسدي لتوفير الوسيلة، ثمّ الانتقال للفعل العملي المادّي لوضع موضع التّنفيذ والإنجاز تصوّرات العقل المفيدة المنشأة للحضارة. ولا يأتي ذلك من جمود الإنسان في مكانه وإطلاق العنان لعلقه لينسج متخيّلات حضارية.

ولمّا كانت النّشأة الأولى لآم وزوجته في الجنّة، والعيش فيها كان بدون تعب ومشقّة، وخروجهما منها جاء بسبب معصية أمر خالقهما، وهي المعصية التّي تمّت بمثير وسوسة إبليس أنهضت فيهما دوافع الخلد والملك الذّي لا يفنى، فإن نزولهما إلى الأرض غيّر نمط حياتهما الذّي كانا عليه في الجنّة من العيش بغير تعب ومشقّة إلى تعب ومشقّة ليعيشا، هذا التّغيير حتما أدى إلى تغير في كيفية عمل عقلهما وكيفية تفكيره، وهو ما يؤدي إلى نشوء اعتلالات في تفكير تسلسل البشرية عند وضع أسس حضارية، تحت ضغط مثيرات ودوافع جديدة نشأت من حياتهم على الأرض، وضغط المثيرات والدّوافع كان لها عبر العصور دور في إلحاق البناء الحضاري بشوائب تناكف الفطر.

الحضارة من الفطرة التي نشأ عليها الكون والإنسان

الحضارة من الفطرة التّي نشأ عليها الكون والإنسان، وما خالف ذلك فهو شاذّ، وما تعارضت يوما قوانين الفطرة التّي نشأ عليها الكون، مع قوانين الفطرة التّي نشأ عليها الإنسان، إلا ما شذّ عن ذلك، وكان نتيجة لهذا التّناغم بين الفطرتين، وضع الأسس الأولى لمناحي تفكير الإنسان الأوّل في الكيفية التّي يتعايش معها على الأرض وكيفية إعمارها، ولما كان الإنسان عند نشأته قد نشأ بالعقل ــ مركز التّفكيرــ ونشأ خارج الكون، “في الجنّة”، ومن المغريات التّي انطوت على تفكير عقله وهو في الجنّة، انطلت عليه بمثير “الخلد والملك الذّي لا يفنى” فلا غرابة في أن تكون المثيرات من الأسس الأساسية لدوافع تفكيره، هي من أنشأت في الإنسان رغبة جامحة في إشباع غرائزه ورغباته، ومن أخطر وأقبح تلك الغرائز، هي الغرائز المعقدة الرّغبات، كالحسد، الكراهية، الغيرة، البغض، التّسلط، الحقد، وهذه الغرائز لم تبق مستترة داخله ومكتومة، بل خرجت عملا، تنمّ عنها تصرّفات عضلية يقوم بها جسم الإنسان يصدر عنها فعل ضار، وهي في مجملها ليست حميدة، خذ لك مثال “الكراهية بغير سبب” .

تصبح هذه الغرائز ضارّة للغاية حدّ ارتكاب جريمة إزهاق روح إنسان بغير سبب. كما حدث في أوّل معصية على الكون بين الأخوين قابيل وهابيل. “سوّلت له نفسه”. وهذه الغرائز التّي ظهرت مع الإنسان الأوّل على الأرض، وسارت مع تقدّمه إلى الأمام زمنيا ومكانيا، وصارت من الأشياء السيّئة المنبوذة التّي تناكف الحكمة من خلق الإنسان والحياة المدنية السّليمة على الأرض، فوجب تقويمها أو إدانتها. وعليها بدأت تعاليم الله تنزل وحيا على أنبيائه ورسله، ليبلّغون بها النّاس، فأنزلت الصّحف على أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام، وأنزل الزّبور على داود عليه السّلام، وأنزلت التّوراة والصّحف على موسى عليه السّلام، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السّلام، وكان آخر تنزيل هو القرآن الكريم، نزّل على خاتم الرّسل والنبيين محمّد صلى الله عليه وسلم. وحدّدها الله عز وجل في أن جعلها ــ دينا ــ لقد تناول ابن باجة في رسائله، في رسالة تحت عنوان: الفطرة الفائقة والتراتب المعرفي.

علاقة الفطر التّي فطر الله بها جميع مخلوقاته في الكون، وأورد في هذا الصّدد. “الفطرة الفائقة المعدّة لقبول الكمال الإنساني هي المعدّة لقبول العقل الإنساني، ثمّ لقبول عقل إلهي وهو عقل مستفاد من الله عزّ وجلّ لا يدرك. وهي الفطرة التّي تَعْلم الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والسّعادة التّي هي بقاء لا فناء معه وسرور لا كدرات معه.

والعلم في أن يرى ببصيرة نفسه، التّي هي موهبة من الله عزّ وجلّ، الموجودات. عمّ كمال وجودها. فالذّين بلغوا الكمال الإنساني هم الذّين يعلمون أنّ الله عز وجل ومخلوقاته، وصار هذا العلم صور لهم، وذلك هو الكمال العقلي، وأيّ كمال للإنسان ما أعظمه حتّى سمي هذا العقل وهذه الموهبة بصيرة الأشياء ما تقدم القول فيه”

تعاليم الدين تدعم القيم الأخلاقية وتنشأ أخرى

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. » إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق «ويفهم من حديثه صلّى الله عليه وسلم، أنّ مكارم الأخلاق كانت موجودة بين البشر قبل بعثته لكنها منقوصة وبعث ليتمّمها، وهذا صحيح ونجده في قصة؛ الأخوين قابيل وهابيل، فعندما قدَّم كل واحد منهما قربانا إلى الله سبحانه، تقبل قربان هابيل؛ لصدقه وإخلاصه في حب لله، ولم يتقبل قربان قابيل؛ لسوء نيته، وعدم تقواه، فحسده أخوه بسبب قبول قربانِه، ورفض قبول قربانَه، وأفصح بما كان يخبّؤه في قلبه من ضغينة وحقدٍ لأخيه، وقال له: سأقتلك، فرد عليه هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين، قال له ذلك ليس تحدياً أو افتخاراً وإنما فعل لينصحه ويرشده ويحثه على الطريقة التي يتقرّب بها من الله عزّ وجلّ ليتقبل منه، وأضاف يقول له: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله رب العالمين.

فهابيل لم يفرّ مما عزم عليه أخوه أو يجابهه، وإنّما تصرف بمنتهى الأخلاق العالية مع الموقف، غايته إصلاح نفسية أخيه وتقويمها.

إن الدّين لم يتم تنزيله في وقت واحد ودفعة واحدة، بل ما نزّل كان وفق تسلسل زمني مرتبط بالنّمو المعرفي العقلي عند الإنسان، إلى أن اكتمل الدّين، فيه عبادات وأوامر وجب القيام بها، ونواهي وجب الابتعاد عنها.

ولم يترك فيها للإنسان أيّ خيار أو مساومة لتغييرها أو تأويلها، فهي مدققة جدا، فسمت تعاليم الدين سموّا لا يرقى إليه أيّ قانون وضعي، فكانت المنهاج الصّحيح للتّوازن النّفسي والجسدي عند الإنسان والقانون الأسمى لتنظيم حياته المدنية في الكون. فتعاليم الدّين خاطبت عقل الإنسان بشكل تسلسلي مبسط مستمد من الفطرة التي فطر عليها وما نشأ عنها في حياته المدنية، تتيح لعقله تلقيها ثمّ فهمها ثم استيعابها، لتدعيم أخلاقه التّي فطر عليها ولبعث قيم أخلاقية فيه مستوحاة من أحكام الدّين وضوابطه، وفق منهاج عملي لتكرس كعقيدة فتسمو نفسه بالكمال بما فيه الخير لنفسه وغيره.

والمتمعّن في تعاليم الله، التّي نزّلها، وأمر عباده بإتباعها، يكتشف الجانب الأهمّ فيها وهو العبادات: ــ التقرير بوحدانية الله ــ الصلاة ــ الصوم، الزكاة ــ الحج لمن استطاع ـ والمغزى من فرضها فرضا، وعدم جواز تركها إلاّ بما رخّصه الخالق دون سواه، هو أن يجعل الإنسان في حالة اتّصال دائمة بخالقه وقريبا منه، و هو الدّاري والخبير بكيفية عمل عقل عباده، وهذا القرب والاتصال بخالقه هو الكفيل بأن يجعل منهاج ديمومة التّذكر لتعاليم الدّين مستمرّ لتستقيم حياته المدنية على الأرض.

القيم الدينية والأخلاقية في تقويم الحضارة. وإن كانت التعريفات التي تناولت تعريف الحضارة، لم تستقر على الفعل المادي المجسم فقط، كالعمران، والصناعات وغيرها، وجعلت من الإنتاج الفكري والثقافي من نتاج الفعل الحضاري، وكما أسلفنا فإن عقل الإنسان هو المنشأ للفعل الحضاري، وهو يأتي من نتاج تفكير عقلي تصوري مفيد، يحضّر لتحرّك عقلي معنوي كالإنتاج الفكري أو عضلي جسدي لتوفير الوسيلة، ثمّ الانتقال للفعل العملي المادي لوضع موضع التنفيذ والإنجاز تصورات العقل المفيدة المنشأة للحضارة، وهو ما انجر عنه، ومنذ نزول الإنسان إلى الأرض تدرج في النمو المعرفي لعقله، وفق سنن، الممارسة والتجربة، فإنّ المثيرات والدّوافع والحوافز على الأرض، تصبح جزء هاما جدا في منحى تفكير الإنسان في تأسيس البناء الحضاري، وما بني على هذا النّمو المعرفي من فعل حضاري مادي، وإن كان في معظمه مفيد وجيّد وممتاز لحياة الإنسان، إلاّ أنّه أتى بأشياء ضارّة وخطيرة، من مثل: ما وصل إليه تطوّر صناعة السّلاح الفتّاك، ولا تقتصر الخطورة فيما وصلت إليه الحضارة من تطوّر في حظيرة المادّيات من مثل هذه الصّناعات الفتاكة، بل الأخطر منها ما وصل إليه الإنتاج الفكري من نظريات هدّامة تحت ستار؛ “قيم الحرية” فتدنّت القيم الأخلاقية، فشذّ بذلك السّليم منها وأبيح الشّاذ منها، وقد أدى ذلك إلى كثرة المثيرات الدّافعة التّي تجابه سلامة التّفكير وهو ما انجرّ عنه قيام الصّراع النّفسي بين التّمسك بالقيم الأخلاقية التّي فطر عليها الإنسان أومناكفتها والسّير في هذا التّوجه الفكري الذّي تنبذه الفطرة الإنسانية السليمة، وتنبذه قيم الدّين، ولمّا كانت حكمة الله في أن جعل الفطرة التّي فطر عليها العقل البشري قد جعلته في حرّية تامّة من حيث التّفكير في اتّخاذ القرار ولم تجعل منه آلة تعمل في اتّجاه واحد ومعيّن ومحدّد سابقا كالآلة التي صنعت لتصنع شيئا معينا ومحددا، فإن هذه الحرية هي التّي من أنهضت فيه القيم الأخلاقية الحميد عند النشأة الأولى، كحادثة ستر العورة، وحادثة الاعتراف بالذنب وطلب المغفرة، فكانت القيم الأخلاقية الإنسانية التّي نشأت مع نشأته وتدعّمت بقيم الدّين بالإضافة لقيمه الإضافية، هي من انبرت ومنذ نزول الإنسان إلى الأرض، تجابه بالحجّة شوائب الحضارة، فاحتلت هذه القيم الصّدارة.

 بقلم هاجر ميموني