الأبعاد غير الإنسانية في السياسة الخارجية الأمريكية/ بقلم محمد أمين سني

إن المتابع للسياسة الخارجية الأمريكية في العقود الأخيرة خاصة منذ نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، يدرك جيدا أنها سياسة مبنية على البراغماتية في التعامل مع التهديدات والمصالح الأمريكية الإستراتيجية في مختلف قارات العالم.

فصانع القرار الأمريكي يشتغل وفقا لمدركات عقائدية أمنية، سياسية واقتصادية، حيث أنه يعتبر أن حدود بلاده تنتهي عند آخر نقطة بالعالم تتواجد أو قد تتواجد بها المصالح الأمريكية أو قد تمثل تهديدا مباشرا أو غير مباشر للأمن القومي الأمريكي.

على هذا الأساس، خاضت الولايات المتحدة الأمريكية عدة حروب ونزاعات بعد سقوط نظام القطبية الثنائية وهيمنة القطب الأمريكي على العلاقات الدولية والسياسة الدولية الحديثة، فخوضها حرب الخليج الثانية والثالثة كانت بدافع حماية مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حماية السلامة الترابية وأمن إسرائيل، التي تعتبرها أمريكا نموذجا ديمقراطيا يحاكي نموذجها الديمقراطي الغربي، حسب زعمها.

ولهذا أصبح الكيان الصهيوني عبارة عن محمية أمريكية في المنطقة تصول وتجول وتمارس كل أشكال الغطرسة وعدم الانضباط والإنصياع لمختلف القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرار حل الدولتين، بدعم من مختلف القوى المجتمعية الصهيوأمريكية التي تتحكم في مختلف دواليب الحكم والقوى المؤثرة في صناعة السياسية الأمريكية في مختلف المجالات، بما في ذلك المجالات الدبلوماسية والعسكرية.

نفس الشيء، أبانت عليه الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأزمة الصحية العالمية بعد جائحة كورونا العالمية، أين قامت البحرية الأمريكية بقرصنة المعدات الطبية وشبه الطبية بطريقة سافرة بينت للعالم كله أن هذه الدولة لا تعير أي اهتمام للأعراف والمنظمات الدولية في هذا الشأن، خاصة بعد انسحاب دونالد ترامب من منظمة الصحة العالمية بتبريرات غير إنسانية أحادية الجانب.

وعند تجدد الأزمة الحالية في الأراضي الفلسطينية بعد العمليات الوحشية التي يشنها جيش الإحتلال الصهيوني ضد المدنيين الفلسطينيين بقطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد انتكاسة صد العملية العسكرية التي قادتها فصائل المقاومة الفلسطينية ونقلها للصراع إلى داخل عمق الكيان الصهيوني.

هذه العمليات العسكرية الإنتقامية خلفت مئات الضحايا وبينت بشكل واضح عجز المنظومة الدولية في التحرك لوقف هذا العدوان الهمجي على مدنيين أبرياء وفقا لسياسة العقاب الجماعي والتطهير والتهجير التي تسعى قوات الكيان القيام به بتواطؤ مباشر وغير مباشر من العديد من الفواعل الدولية والإقليمية المنخرطة ضمن هذه المخططات السوسيوعرقية بالمنطقة.

غير أن الموقف الأمريكي الداعم للكيان الصهيوني ليس بالموقف الجديد، نفس الشيء استعمال حق النقض الفيتو من طرف الولايات المتحدة الأمريكية ضد قرار يدين إسرائيل بمجلس الأمن الدولي ليس بجديد كذلك، بل هو من أدبيات وثوابت السياسية الخارجية الأمريكية منذ عقود طويلة وإلى غاية اليوم لدرجة أن الرئيس جون بايدن يصرح في زيارته لذات الكيان أنه حتى ولم تكن إسرائيل موجودة لعملنا على إقامتها، وهي فكرة صهيوبروتستانية مرتطبة عقائديا بمعركة هرمغدون التي يدافع عليها اللوبي الإسرائيلي بالولايات المتحدة الأمريكية.

لكن كل هذا في كفة ورفض الولايات المتحدة الأمريكية مشروع قرار روسي برازيلي بهدنة إنسانية في قطاع غزة في كفة أخرى، حيث أثبت هذا الموقف الخبيث زيف دفاع الولايات المتحدة الأمريكية على القيم الإنسانية وحقوق الإنسان من خلال دعمها للمنظمات غير الحكومية الدولية الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، الأمر الذي كشفه الفيتو الأمريكي ضد قرار مجلس الأمن بالهدنة الإنسانية في قطاع غزة والذي يعتبر أبسط إجراء أممي في حماية حقوق الإنسان الأساسية وايصال المساعدات الطبية والعذائية لأهلنا في غزة.

بهذا الموقف الأمريكي اللاإنساني الرافض للهدنة الإنسانية قد أغلق ملف رعاية الولايات المتحدة الأمريكية لملف حقوق الإنسان في العالم تحت تبريرات واهية كشفها هذا الموقف الجائر ضد كل العهود الدولية والأممية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان بداية من العهدين الدوليين ومرورا بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي أسقطت على اساسه دول وأنظمة عديدة بحجة عدم إحترامها لهذه القيم العالمية التي تدوس عليها الولايات المتحدة الأمريكية من جديد بطريقة سافرة وأمام مرأى العالم المتحضر في عز الثورة المعلوماتية التي وثقت وستوثق للأجيال القادمة هذه الإنتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الإحتلال الصهيوني بدعم أمريكي غير أخلاقي في حق شعبنا الفلسطيني المناضل.

رحم الله شهداء فلسطين وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

بقلم: محمد أمين سني، باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية/ الجزائر