الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.. ضربة قاصمة لظهر الكيان الصهيوني .. بقلم سمير باكير

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.. ضربة قاصمة لظهر الكيان الصهيوني .. بقلم سمير باكير

في البداية حتى يفهم القارئ المسالة بشكل دقيق، لا بد لنا من تقديم شرح حول محكمة العدل الدولية و اختصاصها. محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة، والنظام الأساسي للمحكمة يعتبر جزء لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، وبالرغم من إن مجلس الأمن والجمعية العامة هما الجهازان اللذان ينتخبان قضاة المحكمة، إلا أنها مستقلة عنهما وظيفيا وعضويا، ولا تسمح لأي جهة التدخل في سير العدالة، ولا التدخل في شؤونها. مع ذلك هناك صور عديدة للتعاون بين المحكمة والأمم المتحدة ومنها حق بعض أجهزة الأمم المتحدة طلب آراء استشارية من المحكمة. تتكون المحكمة من خمسة عشر قاضيا، ويقع انتخابهم لمدة تسع سنوات من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن. لا يجوز لأي عضو من أعضاء مجلس الأمن الدائمين استخدام حق النقض في انتخاب القضاة، إذ لا فرق في هذا الخصوص بين الأعضاء الدائمين والأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، كما أنه يجب أن تمثل كافة المدنيات والنظم القانونية الرئيسية في العالم في تكوين المحكمة. ولاية محكمة العدل بالأساس ولاية اختيارية، أي أنها قائمة على رضا أطراف النزاع، إذ ليس بمقدور المحكمة أن تنظر أي نزاع إلا بعد موافقة أطراف النزاع على ذلك. ولكن يمكن للدول الأطراف في النظام الأساسي المحكمة أن تقبل بالولاية الجبرية للمحكمة، بموجب تصريح تطلقه الدولة تقبل بموجبه بالولاية الجبرية للمحكمة، وهذا التصريح يمكن أن يكون مطلقا ليس معلقا على أي شرط، ويمكن أن يكون مقيدا بمدة معينة، أو يكون معلقا على شرط التبادل من جانب دول معينة. ويجب على الدول التي تقبل بالولاية الجبرية أن تودع تصريحها بذلك لدى الأمين العام الأمم المتحدة الذي عليه أن يرسل صورا منها إلى الدول الأطراف في النظام الأساسي وإلى مسجل المحكمة. على أن الولاية الجبرية بحسب الفقرة الثانية من المادة ٣٦ من النظام الأساسي مقصور أمرها على المسائل الآتية:

تفسير معاهدة من المعاهدات

أية مسألة من مسائل القانون الدولي.

أي خرق الالتزام دولي.

التعويض المترتب على الخرق الالتزام الدولي ومدى هذا التعويض.

المحكمة تتمتع باختصاصيين نوعیین هما: الاختصاص القضائي والاختصاص الإفتائي. الاختصاص القضائي واسع جدا ويشمل كل نزاع بين دولتین سواء أكان من طبیعة سياسية أم من طبيعة قانونية، وتنظر في أي خصومة ترفع إليها بين دولتين، والذي يملك حق التقاضي لدى محكمة العدل الدولية هي الدول وحدها دون المنظمات الدولية، والأشخاص القانونية الدولية الأخرى، والدول التي يحق لها التقاضي لدى المحكمة هي من ثلاث طوائف وهي : الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وجميعها أطراف في النظام الأساسي للمحكمة، الدول التي ليست أعضاء في الأمم المتحدة لكنها أصبحت أطرافاً في النظام الأساسي للمحكمة. الدول التي ليست أعضاء في الأمم المتحدة وليست إطرافا، في النظام الأساسي، ولكن بشروط يحددها مجلس الأمن الدولي. حكم محكمة العدل الدولية ملزم الأطراف النزاع ولا يجوز الطعن بالحكم لدي أية مرجعية قانونية دولية. لكن يمكن إعادة النظر بالحكم لدى نفس المحكمة ووفق شروط معينة حددتها المادة 61 من النظام الأساسي لهذه المحكمة، وتتمثل هذه الشروط بشكل أساسي في کشف وقائع حاسمة جديدة كانت مجهولة من قبل المحكمة والطرف الذي يلمس إعادة النظر بالحكم.

الاختصاص الإفتائي المحكمة العدل الدولية، فإن المقصود به الآراء الاستشارية التي تدلي المحكمة في أية مسالة من مسائل القانون. والمحكمة تمارس هذا الاختصاص سندا لنص المادة ٦٥ من النظام الأساسي للمحكمة حيث جاء فيها (للمحكمة أن : تقتى في أية مسالة قانونية بناء على طلب أية هيئة رخص لها طبقا من الأمم المتحدة باستفتائها، أو حصل الترخيص لها بذلك لأحكام الميثاق المذكور) من خلال قراءة أحكام هذه المادة، فإنه يتبين لنا بأن المحكمة لا تعمل اختصاصتها الإفتائي هذا إلا بطلب من هيئة خولها الميثاق هذا الحق، أو هيئة رخص لها بذلك طبقا لأحكام الميثاق هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان المسالة المراد استفتاء المحكمة فيها لا بد أن تكون من مسائل القانون. ولكن حتى لو توافرت كل هذه الشروط فإن المحكمة يحق لها رفض الإدلاء برأي استشاري نظرا لما تتمتع به من سلطة تقديرية وفقا لصياغة المادة 65 المذكور اعلاه. والجهات التي رخص فيا الميثاق طلب الفتاوى من المحكمة مقتصرة على لأجهزة الرئيسية في الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة وفقا لما جاء في المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة. حيث نصت المادة 96 من ميثان هيئة الأمم المتحدة على:

1. لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءه في أية مسالة قانونية.

2. ولسائر فروع الهيئة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها ممن يجوز أن تأذن لها الجمعية العامة بذلك في أي وقت، أن تطلب أيضا من المحكمة إفتاءها فيها يعرض لها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها.

بهذا النص فإن الدول كافة، والمنظمة الإقليمية في العالم والأفراد، ليس من حقها أن تطلب من المحكمة إفتاءها. كما أن النص المتقدم ميز بين طائفتين من أجهزة الأمم المتحدة الرئيسية في استعمال رخصة طلب الإفتاء من المحكمة، فالجمعية العامة ومجلس الأمن منحهما الميثاق اختصاص أصيل في طلب الإفتاء من المحكمة، وبشكل مباشر دون أي واسطة من أي جهاز في المنظمة الدولية و بأية مسئلة قانونية، بينما الأجهزة الأخرى كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمانة العامة ومجلس الوصاية وكافة الوكالات المتخصصة المرتبطة بهيئة الأمم المتحدة لا تستطيع أن تطلب من المحكمة إفتاءها إلا بإذن صادر عن الجمعية العامة و فقط بالمسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها. أصدرت محكمة العدل الدولية منذ تأسيسها الى الأن 29 رأيا استشاريا في مسائل قانونية مختلفة مهمة، كان منها رأيين بخصوص فلسطين الاول حول الجدار العازل العام ٢٠٠٤ م و الثاني كان في عام 2024م “حول التبعات القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”. ما يهمنا في هذا البحث هو دراسة الرأي الأخير.

نشأة الرأي الاستشاري

اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار برقم 77/247 بخصوص “الممارسات الاسرائیلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية” بناء على تقرير لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار(اللجنة الرابعة) تحت عنوان” الممارسات الإسرئيلية والأنشطة الاستيطانية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من السكان العرب في الأراضي المحتلة” في عام 2022م. جاء في القرار 77 / 247 الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، نصت الفقرة 18 من القرار:

يقرر، وفقا للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، أن يطلب من محكمة العدل الدولية، عملا بالمادة 65 من النظام الأساسي للمحكمة، إصدار فتوى بشأن المسائل التالية، مع مراعاة القواعد و مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، وفتوى المحكمة الصادرة في 9 تموز/يوليه 2004 : أ) ما هي العواقب القانونية الناشئة عن انتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، نتيجة لاحتلالها الطويل الأمد واستيطانها وضمها للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما في ذلك التدابير الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية؟ تكوين مدينة القدس المقدسة وطابعها ووضعها، ومن اعتمادها للتشريعات والتدابير التمييزية ذات الصلة ؟ ب) كيف تؤثر سياسات وممارسات إسرائيل المشار إليها في الفقرة 18(أ) أعلاه على الوضع القانوني للاحتلال، وما هي التبعات القانونية التي تترتب على هذا الوضع بالنسبة لجميع الدول والأمم المتحدة؟”

أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة محكمة العدل الدولية رسميًا بالقرار الذي اتخذته الجمعية العامة بتقديم الأسئلة المنصوص عليها في القرار 77 / 247 الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2022. جاء هذا الرأي بناءً على طلب تقدمت به الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 ديسمبر/كانون الأول 2022 لتسجيل القضية و تواصل الأمين العام للأمم المتحدة مع المحكمة شخصيا في بداية العام 2023 لتقديم الطلب و لاتخاذ قرار و الاجابة على الاسئلة المطروحة فقرة 18 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة. في الحقيقة العملية المرتبطة بإصدار هذا الرأي الاستشاري سابقة على الحرب الحالية بين الکیان الصهیوني و الهجوم علی غزئ. اي أن جذوره سابقة على هذا العدوان على قطاع غزة. صدر الرأي الاستشاري في 19/7/2024 و صوّت 12 قاضياً لصالح القرار، فيما عارضه 3 قضاة.

ابرز ما جاء في الرأي

في البداية هناك نقد أساسي على هذا القرار و هو بأن تأكيد الطابع غير القانوني المزعوم لجميع الأنشطة الإسرائيلية داخل الخط الأخضر (أي خط الهدنة الذي تم ترسيمه منذ عام 1967) ولا تشمل كل الأراضي الفلسطينة. أي أنها لا تشمل الأراضي المحتلة قبل عام 1967. فالرأي يشمل جانب من الحق الفلسطيني و لايشمل كل الأراضي الفلسطينية. الرأي يفترض بأن اسرائيل دولة و يطالب فقط باحترام خط 1967 و عدم استعمارها. ملخص رأي محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال الطويل الأمد لفلسطين، والضم غير القانوني للأرض الفلسطينية إلى إسرائيل، وأنشاء المستوطنات غير القانونية في فلسطين، والاستيطان غير القانوني للسكان الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، المسؤولية الدولية لإسرائيل، مسؤولية الدول الدولية والمنظمات والمؤسسات الدولية و…. لابد من الإشارة إلى أبرز نقاط الرأي وهي:

1. استمرار وجود دولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني؛ اعتبرت المحكمة أن ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية المحتلة واستمرار سيطرتها يتعارضان مع القانون الدولي.

2. دولة إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أسرع وقت ممكن؛ أشار الحكم إلى أن الاحتلال الإسرائيلي، المستمر منذ 57 عامًا، هو وضع مؤقت ويجب ألا يستمر، وأن استدامة الاحتلال لا تغيّر الوضع القانوني للأراضي المحتلة.

3. دولة إسرائيل ملزمة بوقف جميع أنشطة الاستيطان الجديدة على الفور، وإجلاء جميع المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بما يخالف الاتفاقية الرابعة لعام 1949، إلى جانب جرائم المستوطنين وفشل إسرائيل في محاسبتهم.

4. دولة إسرائيل ملزمة بتعويض جميع الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المعنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن الأضرار التي لحقت بهم؛

5. جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الوجود غير القانوني لدولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدم تقديم المساعدة أو المساعدة في الحفاظ على الوضع الناشئ عن الوجود المستمر لدولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛

6. المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، ملزمة بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الوجود غير القانوني لدولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛

7. ينبغي للأمم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة التي طلبت الرأي، ومجلس الأمن، أن تنظر في الوسائل الدقيقة والإجراءات الإضافية اللازمة لإنهاء الوجود غير القانوني لدولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أسرع وقت ممكن و في تمكين الفلسطينيين من تقرير المصير، وعدم الاعتراف بالإجراءات الإسرائيلية منذ 1967، وشدّدت على ضرورة التزام إسرائيل باتفاقية جنيف الرابعة.

8. ألزمت المحكمة إسرائيل بإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والتمييز، وإعادة الوضع لما كان عليه قبل 1967، وتفكيك المستوطنات والجدار، وإرجاع المهجّرين منذ 1967.

اهمية الرأي الاستشاري و آثاره

1.إن مجرد قبول محكمة العدل الدولية إعطاء رأي استشاري حول “الممارسات الاسرائیلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية” بحد ذاته ينطوي على أهمية كبيرة جدا منتصرة بذلك القانون والحق، منطلقة من وعيها لدورها الهام كأعلى جهاز قضائي في إطار مجتمع الدول، ومساهمة منها في الدفع نحو التسوية السلمية النزاعات الدولية، إذ إن سلطة المحكمة كما بينا في المطلب الأول في الإدلاء بأراء استشارية هي سلطة تقديرية وليست سلطة مقيدة. حسب أحكام النظام الأساسي للمحكمة، فلها أن ترفض الإدلاء برأي استشاري وقبولها إعطاء رأي استشاري في هذه القضية يعد انتصار لسيادة القانون الدولي، والقضية الفلسطينية بما فيها القدس .خصوصا بأن اللجنة المكونة من 15 قاضيا من مختلف أنحاء العالم.

2. هذا الرأي “يؤكد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي، خاصة حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويشكل تحديا قانونيا كبيرا لسياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة”. يعد خطوة في مسار طويل نحو تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، وأنه يجب أن يكون حافزا للمجتمع الدولي للعمل بجدية أكبر على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”.

3. الرأي كمرشد قانوني يؤكد على واقع القضية الفلسطينية على أنها أرض وشعب محتل و ما لها من تبعات قانونية، وتنفي جميع الادعاءات الإسرائيلية التي تهدف لإخراج القضية الفلسطينية عن مسارها الحقيقي.إذ يسعى الاحتلال إلى إظهار القضية الفلسطينية كحالة صراع بين جهات متنازعة أو حول أرض متنازع عليها. الوضع الفلسطيني ليست كما يدعي الكيان، بل هي حالة احتلال ودفاع عن النفس لا لبس فيها. فالرأي وصف الكيان الصهيوني بالمحتل و هذا يحمل في طياته رسائل كبيرة قد تكون شعلة لشرارة التحرير و دعما للقضية الفلسطينية. فمثلا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، أعلنت أرمينيا وسلوفينيا وإسبانيا والنرويج وأيرلندا اعترافها رسميا بفلسطين، ما رفع عدد الدول المعترفة بها إلى 149 من أصل 193 دولة بالجمعية الأممية.

4. لا يحمل هذا القرار صفة إلزامية كونه رأيًا استشارياً، ومع ذلك، فإن له تأثيراً كبيراً على المستوى الدولي و له وزن بموجب القانون الدولي. حيث يعزّز المواقف القانونية والسياسية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويزيد من الضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها. المكاسب القانونية التي خلقها قرار المحكمة لا ينبغي النظر إليها فقط من المنظار القانوني، بل كأداة للتحرك السياسيّ والدبلوماسي لضمان تطبيق القانون. لذا ينبغي تنشيط الإعلام لفضح الإجراءات العدوانية الإسرائيلية وجرائم الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وممتلكاته و رفع دعاوى ضد إسرائيل. يبقى لقرارات المحكمة تأثير رمزي كبير يحكم طوق الخناق القانوني على منظومة الاحتلال الإسرائيلية ويساهم في عزلتها وتفكيك سرديتها التي صنعت منها دور الضحية على مر عقود من الزمن. في حين يثبت حكم المحكمة على الاحتلال صورة المجرم الذي وإن أفلت قادته من العقاب عاجلًا فإنهم لن يفلتوا منه في المستقبل.

5. يساعد رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري حول القضية الفلسطينية للاسترشاد به في القضية المرفوعة ضد إسرائيل في ذات المحكمة حول اتهامات بالإبادة الجماعية في غزة، وفي المحكمة الجنائية الدولية في تحقيقاتها بحدوث جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة ليضفى ذلك بعدا مهماً على تلك الاتهامات.

6. ولما كانت دول العالم – كافةً – تُعد أطرافاً في هذا الجهاز ومشْتَرِكَةً في عضويته، فإنها ملزمة بتصرفاتها التي تصدر من خلال هذا الجهاز، الذي يجمع عضوية هذه الدول. قد يكون له تأثير أكبر على الرأي الدولي فيما يتعلق ببناء إسرائيل للمستوطنات، وسيؤثر أيضا على السياسات الإسرائيلية. جاء في جزء من الرأي، إن اللجنة وجدت أن “نقل إسرائيل للمستوطنين إلى الضفة الغربية والقدس، فضلاً عن احتفاظ إسرائيل بوجودهم، يتعارض مع المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة”. على سبيل المثال أيضا وجدنا التظاهرات العامة في اوربا و امريكا خصوصا طلاب الجامعات ضد انتهاكات العدو الصهيوني و أيضا على سبيل المثال أعلنت الخارجية النرويجية أن الرأي الاستشاري بشأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية واضح تماماً وأن انتهاك «تل أبيب» للقانون الدولي وسياسات الضم لأجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة هي انتهاكات يجب أن تنتهي. الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بوريل، أعلن أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يعبّر بوضوح عن موقف الاتحاد الأوروبي بأن احتلال الأراضي الفلسطينية والضفة الغربية غير قانوني تماماً ويجب إنهاؤه. بريطانيا أعلنت أيضاً أنها تؤكد موقفها المعارض تماماً للتوسع في المستوطنات غير القانونية وعنف المستوطنين المتزايد وأنها تؤيد حل «الدولتين». قالت رئيسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل نافي بیليه: “الرأي الاستشاري للمحكمة واضح ولا لبس فيه ويتضمن التزامات قانونية دولية ليس فقط لإسرائيل، ولكن للأمم المتحدة وجميع الدول. إن الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد وتعزيزه سيعتمد على الامتثال لهذا الرأي الاستشاري”. دعت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، إسرائيل إلى الأخذ بعين الاعتبار رأي محكمة العدل الدولية. جاء ذلك خلال تصريح قبيل انطلاق اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل مقر الاتحاد، لمناقشة الأوضاع في أوكرانيا والشرق الأوسط. وأضافت “حتى لو لم يكن هذا التقرير ملزما، فمن المناسب للحكومة الإسرائيلية أن تأخذ هذا التقرير على محمل الجد، وقبل كل شيء، أن تمهد الطريق لحل الدولتين”.

7. نظرياً إذا لم تلتزم إسرائيل بأوامر المحكمة، فإن ذلك سيعني انتهاكا مباشرا للقانون الدولي، لكن من الجدير ذكره بأن طبيعة الإجراءات القانونية للنظام القانوني لمحكمة العدل الدولية، وغياب آلية قانونية ملزمة، إلى جانب منهجية انتخاب القضاة العاملين بها، تحت إشراف ومراقبة كل من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، يوشك أن يفرغ اجتهاد قضاة المحكمة من مضمونه. الأمر الذي يجعل من الدعوة إلى مراجعة مجمل عناصر المنظومة القانونية المؤطرة لعمل المحكمة، موضوعًا مُلحًّا له ما يبرره.

8.على الورق، تُعتبر أحكام محكمة العدل الدولية ملزمة قانونًا. لكن إذا اختارت الدول المتنازعة عدم الالتزام بها، فلا يمكن إنفاذها إلا من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

9. استندت المحكمة في صناعة رأيها على قواعد قانونية في شأن الاحتلال وحق تقرير المصير، والتعويض الناجم عن أخطاء الدول، وقواعد القانون الدولي الإنساني وهي من قواعد القانون الدولي الآمرة و الملزمة للدول. اذا أن الرأي قد يكون ملزما بشكل غير مباشر للدول.

10. توصل قضاة العدل الدولية إلى نتيجة واضحة بأن الاحتلال غير القانوني يمكن أن يضعف الدعم لإسرائيل. إذ يشكل ضغطا معنويا وسياسيا كبيرا على إسرائيل والدول الداعمة لها، وقد يفتح الباب أمام إجراءات قانونية وسياسية جديدة في المحافل الدولية” من ضمنها التعویض لدولة فلسطين و شعبها و مطالبة مسئوولية الكيان الصهيوني عن جرائمها، مشددا على “ضرورة أن يستفيد المجتمع الدولي، وخاصة الدول العربية من هذا الرأي لتعزيز الضغط الدبلوماسي والقانوني على إسرائيل لإنهاء احتلالها، كما يجب استخدامه كأساس لتعزيز المساعي الدبلوماسية لحل القضية الفلسطينية”.

وفي جميع الحالات سترفع المحكمة رأيها للجمعية العامة، الجهة التي أرسلت الطلب للمحكمة للنظر في القضية، ويمكن للجمعية العامة أن تتبنى ما جاء بذلك الرأي الاستشاري، والذي يطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والا تتعرض لعقوبات دولية. يمكن للجمعية العامة أن تساهم اليوم بتحقيق العدالة للفلسطينيين من خلال قرار يحمل توصيات رأي المحكمة، وذلك لسببين، عجز مجلس الأمن القيام بهذا الدور، في ظل تاريخه وتجربته الفاشلة في تأديه دوره بكبح جماح إسرائيل، المهددة لأمن منطقة بأكملها على مدار عقود، بسبب تعطيل قرارته بفعل فيتو الولايات المتحدة، داعمة إسرائيل وشريكتها في خلخلة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، ولطبيعة العقوبات الدولية في مثل تلك المنظمات، التي تأتي بإرادة وطنية خالصة، فالدول هي من يحدد العقوبات وهي القادر على تنفيذها. قال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن الأمين العام أنطونيو غوتيريش سيحيل على الفور الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية -بشأن الإجراءات المتعلقة بالعواقب القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية- إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 عضوًا، و”الأمر متروك للجمعية العامة لتقرر كيفية المضي قدما في الأمر”. قد تطلب الجمعية العامة من جميع الهيئات والدول الامتناع عن مساعدة أو دعم الوضع الحالى الذى تفرضه إسرائيل، وهو ما قد يترتب عليه تبعات واسعة على التجارة مع إسرائيل. أما الأثر الأكبر فسيكون على رفض شرعية وجود إسرائيل فى الضفة الغربية والقدس الشرقية بالإضافة إلى حصارها لغزة.

ردود فعل الكيان الصهيوني على الرأي:

قال رئيس الوزراء الکیان الصهیوني، بنيامين نتانياهو، إن “الشعب اليهودي ليس محتلاً لأرضه، لا في عاصمتنا الأبدية القدس، ولا في أرض أجدادنا في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). ولن يؤدي أي قرار كاذب في لاهاي إلى تشويه هذه الحقيقة التاريخية، كما لا يمكن الطعن في شرعية الاستيطان الإسرائيلي في كافة أراضي وطننا”. وقال وزير الأمن القومي للکیان الصهیوني، إيتمار بن غفير، إن “قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي يثبت للمرة الألف أن هذه منظمة سياسية ومعادية للسامية بشكل واضح. ولن نقبل منهم وعظاً أخلاقياً، فقد حان وقت الحكم والسيادة”. يلاحظ من ردود فعل قادة الكيان الصهيوني بأنها لا تعترف أبدا بدولة فلسطين حتى أنها لا ترى من حق الفلسطينين من أن يكون لهم دولتهم. المحكمة الدولية و الأوساط الدولية تعترف بحق الفلسطنين بأراضي ال67 و ترى الكيان بأنها محتلة لهذه الأراضي. في 10 مايو 2024 ، اعتمدت الجمعية العامة القرار دإط- 10 / 23 الذي “تقرر فيه أن دولة فلسطين مؤهلة لعضوية الأمم المتحدة وفقا للمادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة وينبغي لها أن تكون عضوا في الأمم المتحدة”. ولذلك يتم قبولها في عضوية الأمم المتحدة”. في 10 يونيو 2024 ، اتخذ مجلس الأمن القرار 2735 ( 2024 ،) حيث أكد مجددا: “التزامها الذي لا يتزعزع برؤية حل الدولتين حيث يوجد بلدان ديمقراطيان حيث تعيش إسرائيل وفلسطين جنبًا إلى جنب في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، بما يتوافق مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي هذا الصدد، يؤكدون على أهمية توحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية. ” فالكيان الصهيوني لا يعترف حتى بهذه الأراضي و يرى بأن حدوده من النيل إلى الفرات و يستمر بسياسة القضم الجزئي للأراضي و بناء المستوطنات عبر تجميع يهود العالم في الأراضي المغتصبة. فتصريح نتياهو واضح و صريح بأنه يريد احياء ارض اجداده كما يزعم. يرى نفسه بأنه صاحب أرض و لديه تاريخ و ينكر بأنه محتل و مغتصب للأراضي. هذا التصريح يحمل في قلبه حقد قوي و يحمل اشارات مستقبلية بأنه يريد احتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية و ما بعد فلسطين. فاحتلال فلسطين بالكامل هي خطة جزئية و مرحلة من مراحل الاحتلال الكبير من النيل إلى الفرات. الدليل على هذا أيضا قبل صدور الرأي الاستشاري للمحكمة ببضعة أيام صوت الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي بالأغلبية لصالح قرار يرفض قيام دولة فلسطينية، ويزعم أن “إقامة دولة فلسطينية في قلب أرض إسرائيل ستشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل”. الكيان الصهيوني دائما ينقض القرارات و قواعد القانون الدولي و مثال على ذلك كانت المرة الأولى التي عُرض فيها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على محكمة العدل الدولية مباشرةً في سياق طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2003 للحصول على رأي استشاري بشأن “العواقب القانونية الناشئة عن بناء الجدار الذي تبنيه إسرائيل… في الأراضي الفلسطيني