الضغط: العدو الخفي الذي يسرق منا الحياة!.. بقلم الكاتبة حنان مهدي

الضغط: العدو الخفي الذي يسرق منا الحياة!.. بقلم الكاتبة حنان مهدي

بقلم الكاتبة: حنان مهدي

في سن الثامنة عشرة، عانيت لأول مرة من اكتئاب حاد بسبب رسوبي في امتحان شهادة البكالوريا.. طبعا، صدمتي كانت عميقة بشكل لا يوصف لأنها المرة الأولى التي أرسب فيها خلال حياتي، خصوصا حين تجتاح العقل بوابل من الاعتقادات السلبية عن النفس، مثل نظرة المجتمع إليك كراسب وفاشل وسخريتهم منك، في حين أنها لم تكن مجرد أفكار نتيجة لقلة النضج والوعي وكذلك انعدام تجارب الحياة الصادمة آنذاك!

 

أتذكر في تلك الفترة أنني التهمت عددا كبيرا من كتب التحفيز لأصلح ما انكسر في نفسيتي كفقداني للشهية وحالات الذعر الشديدة التي كانت تجتاحني خلال النوم، وإحساسي بالذنب اتجاه والداي.. لقد كان الأمر يشبه وكأنني اقترفت جرما لا يغتفر؛ حتى وقع بين يداي كتاب “لا تدع القلق وابدأ الحياة” لديل كارنيجي.. ذلك الكتاب الذي يعزى له قدرتي على تجاوز تلك المرحلة بسلام.. وربما لحد الآن أعتبره أعظم كتاب يضع قواعد عملية فعالة ونماذج واقعية في كيفية السيطرة على القلق الذي قد يدمر حياتنا إن تمكن منا.

 

مؤخرا كنت أتساءل عن السبب الذي يجعلنا نقلق إلى حد فقدان السيطرة على بوصلة حياتنا فنتخذ قرارات خاطئة؟ لماذا يتغير مزاج الناس فجأة ويتحولون من أشخاص رائعين إلى أكثر الناس شرا وأذى وعنفا؟ ولماذا يعيش أغلب الناس في حالة من عدم الرضا والقناعة عن أنفسهم؟.. لماذا يكذب البعض كثيرا ويراوغون ويهربون من مواجهة المواقف الحاسمة؟.. لماذا صار عالمنا مليئا بالنفاق والغدر والأنانية والخيانة والقسوة وعدم الإحساس بألم الآخرين؟.. لماذا يتحول البعض من أكثر الأشخاص هدوءا وسلاما إلى أكثرهم صراخا وغضبا ونقما على الحياة؟.. ربما هي أسئلة يصنفها كارنيجي ضمن حالات القلق فكل شيء حسبه مرده القلق.. إلا أن الشيء الذي بات جليا لي الآن هو: أن لا شيء قادر على تحطيم سلامنا النفسي وسرقة السعادة منا والتسبب بإحساسنا في الضياع وفقدان السيطرة على حياتنا سوى “الضغط”.

 

أجل، لقد صرنا نعيش في زمن متسارع تسيطر فيه التكنولوجيا على حياتنا بشكل سلبي، إذ نتعرض يوميا إلى كم هائل من المحتوى المتناقض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتغرينا حياة الكثيرين من النماذج التي نشعر بالأسى على أنفسنا لأننا لسنا مثلها، لدرجة أن البعض قد يلجأ إلى طرق ملتوية ويتخذ قرارات قاسية في سبيل تحقيق ما حققه أولئك النجوم المزيفون، كما أن جل الناس يعانون من ظروف عمل غير عادلة ومن استغلال جهودهم بأبخص الأثمان.. والبعض منا يجد العمر قد سرقه وكبر فجأة دون أن يحقق شيئا يذكر، وطبعا فكلما زاد رقم سنك زادت المسؤوليات الملقاة على عاتقك التي تجبرك ظروف الحياة على الالتزام بها.. لذلك، وببساطة لقد صارت السوشيال ميديا تضغط علينا لنصبح نجوما وأثرياء في سن صغيرة، وأرباب العمل يجعلون منا آلات للعمل تترواح ما بين 8 ساعات إلى 12 ساعة يوميا بدون راحة حتى خلال يوم الجمعة والحقيقة هي أنني أعرف أشخاصا يعملون بذلك النظام وعلى مدار سنوات طويلة!.. والمجتمع من جهته يضغط الأطفال في الدراسة والشباب بعد التخرج بأن يجد وظيفة ذات مدخول جيد فيشتري بيتا وسيارة ويتزوج مبكرا وينجب أولادا رائعين.. وإلا فإنه سيصنف في خانة الفاشلين في حالة لم يحقق ذلك؟!

 

إن مجرد إحساسنا بالفشل بسبب الضغوط الاجتماعية والعاطفية والنفسية سيجعلنا غير قادرين على التفكير بعقلانية وهدوء، وبالتالي ستتضاءل فرص نجاحنا بأي شيء بسبب التوتر وعدم القدرة على تحليل الأمور بهدوء واتزان، وسنميل للهروب من مواجهة التحديات بدلاً من التصدي لها، فيكون ذلك على شكل الانغماس في عادات سلبية، وتجنب المسؤوليات، أو الانعزال الاجتماعي، وهكذا تصبح الأمور أكثر تعقيدًا وتراكمًا، ومع مرور الوقت سيتملكنا الخوف ويغرق العقل في التردد والشك نتيجة ضبابية الرؤية؛ لنقع بعدها في فخ اتخاذ قرارات غير صائبة، وتضيع كل فرصنا وجهودنا في محاولات بائسة ويائسة.

 

كما أن الضغط من شأنه خلق فوضى داخلية وخارجية عارمة؛ فيصبح العقل غير منظم وغير قادر على التركيز، وتنتقل هذه الفوضى إلى حياتنا اليومية، ويترجم في شكل قرارات متسرعة وعشوائية تحول حياتنا إلى سلسلة من الأحداث غير المتوقعة التي تُدار بردود أفعال، وليس بخطط مسبقة ومنطقية، خصوصا على مستوى علاقاتنا مع الآخرين، إذ نصبح أقل صبرًا وأكثر حدة وعنفا في التعامل، وتتدهور علاقاتنا وتتأزم بسبب الانفعالات التي تؤدي إلى سوء الفهم فيرتفع مستوى القلق والتوتر، وهو ما يزيد من احتمالية الإصابة بالحزن والاكتئاب، والأمراض المزمنة، واضطرابات النوم، وارتفاع ضغط الدم، وهكذا سيعاني البعض من فقدان الحافز والطموح ويتلاشى الإحساس بالرغبة في تحقيق الأهداف الشخصية والمهنية.. وقد يشعر الفرد بأنه يعيش على “وضع الطوارئ” الدائم، مما يقوده إلى الاستسلام لروتين ممل يفتقر إلى التحدي والطموح، وبالتالي قد يصل إلى مرحلة فقدان الرغبة في الحياة!

 

وفي النهاية، من المهم أن ندرك أن الحياة ليست سباقًا ولا يجب أن نسمح للضغوط بالتحكم في مساراتنا، علينا أن نختار ما نحب ونعمل على تحقيقه دون أن نخضع لضغوط المجتمع أو متطلبات الحياة المتسارعة.. وأن نتذكر دوما بأن الراحة ليست رفاهية، بل هي ضرورة لاستعادة التوازن النفسي والجسدي، اذ يجب أن نمنح أنفسنا الوقت للاسترخاء والتفكير بعيدًا عن التوتر، وأن نبحث عن العمل الذي نحبه حقًا، لأن الشغف هو ما يعطينا الطاقة للاستمرار دون أن نشعر بالضغط.. وألا نرهق أنفسنا ونحملها ما لا طاقة لها به، لأن الإرهاق المستمر لا يؤدي سوى إلى استنزاف قدراتنا وتقليل إنتاجيتنا على المدى البعيد..

 

وببساطة؛ يجب أن نتعلم بأن الحياة أكثر متعة عندما نعيشها وفقًا لما نرغب فيه، لا لما يمليه علينا الآخرون.